الرأي

مستعجلات المستشفيات: حين يتحول الألم إلى سلعة والسماسرة أسياد الموقف

في الوقت الذي من المفترض أن تكون فيه مصالح المستعجلات ملاذاً آمناً لكل من أنهكه الألم أو فاجأه الخطر، تتحول هذه الفضاءات الحساسة، يوماً بعد يوم، إلى مسرح لعبث مقلق، أبطاله “سماسرة” و”دخلاء” لا صفة لهم سوى المتاجرة بأوجاع الناس، في ظاهرة تكشف عن تسيب خطير وتواطؤ مفضوح.
لم يعد سراً وجود هؤلاء الأشخاص الذين يتجولون بحرية تامة بين أسرة المرضى وفي ممرات الانتظار، متصيدين لحظات الضعف والهشاشة التي تسيطر على المريض وذويه. بعيون خبيرة، يقرؤون ملامح القلق، ويحولون معاناة إنسان إلى فرصة للربح السريع، عبر توجيهه نحو مصحات خاصة، أو مختبرات تحاليل معينة، أو حتى فرض “خدمات” وهمية وغير قانونية مقابل مبالغ مالية، ضاربين عرض الحائط بكل القوانين والأخلاقيات.
الكارثة الكبرى ليست في وجود هذه الممارسات اللاإنسانية فحسب، بل في كونها تتم في وضح النهار، وأمام أعين المسؤولين الإداريين ورجال الأمن الخاص، الذين يبدو أنهم فقدوا السيطرة أو غضوا الطرف عن عمد. هذا الوضع يطرح سؤالاً مشروعاً وحارقاً: من أين يستمد هؤلاء “السماسرة” نفوذهم؟ وكيف يُسمح لهم باختراق وتدنيس فضاء يفترض فيه أقصى درجات الحماية والضبط؟
إن هذا الاختراق لا يمثل فقط انتهاكاً لحق المريض في الحصول على خدمة عمومية آمنة ومجانية، بل هو إعلان صريح عن فشل المنظومة في حماية أضعف حلقاتها. إنه يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص، حيث يصبح العلاج لمن يدفع أكثر، ويشوه سمعة المرفق العمومي بأكمله، بما في ذلك الأطر الصحية الشريفة التي تكافح لأداء واجبها في ظل إمكانيات محدودة وضغط هائل.
أمام هذا النزيف الأخلاقي الذي ينهش كرامة المريض قبل جسده، لم يعد الصمت خياراً. فالمطالبة بتدخل عاجل وحازم من وزارة الصحة والجهات الوصية أصبحت ضرورة قصوى، عبر إجراءات واضحة لا تقبل التأجيل: تشديد الرقابة على مداخل المستعجلات، وتحديد هوية كل من يلج إليها، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لكل من يثبت تقصيره أو تواطؤه.
فلتكن رسالتنا واضحة للجميع: المستعجلات ليست سوقاً للمساومة، وألم المريض ليس سلعة قابلة للبيع، وصمته تحت وطأة الوجع لا يجب أن يكون أبداً رخصة لنهش ما تبقى من كرامته الإنسانية. ويبقى السؤال معلقاً في ضمير كل مسؤول: إلى متى سيستمر هذا العبث في صمت؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى