الرأي

الملف 7: تازة في الإعلام – من التهكم إلى التنميط

سلسلة ملفات صحفية حول قضايا تازة خطوة قوية وضرورية لتسليط الضوء على التحديات التي تواجه المدينة، وربطها بالسياق الوطني والتاريخي. هذه السلسلة تُنشر تباعًا على جريدة تازاسيتي، تحت عنوان موحد: "تازة... المدينة المنسية"

من إعداد: عمار قشمار
في زمن الصورة والخطاب الموجز، صارت المدن لا تُقاس فقط ببناها التحتية أو إنجازاتها الاقتصادية، بل أيضًا بما يُقال عنها. وهنا، نجد تازة حاضرة بشكل لافت… لا بوصفها مدينة صامدة بين الجبال أو عاصمة تاريخية مؤقتة، بل كـ”نكتة” تتردد في البرامج الكوميدية والمنشورات الساخرة.
“ما بعيدة غير تازة”… سخرية أصبحت هوية
تحولت العبارة الشعبية الشهيرة إلى رمزية لغوية تختزل تازة في المسافة، والفراغ، والعبث. تُستخدم للتقليل من الشأن، أو لتبرير التباطؤ، أو لتمثيل الهامشية المطلقة. وقد أصبح هذا التوظيف اللغوي يُرسّخ، في اللاوعي الجماعي، صورة نمطية عن تازة باعتبارها مدينة “لا شيء يحدث فيها”.
“كنتُ أقدم عرضًا في الرباط، وما إن قلت إنني من تازة حتى انفجر الحضور بالضحك… دون أن أعرف السبب”، يقول شاب مسرحي.
الإعلام العمومي… تغييب منهجي
نادرًا ما تحضر تازة في القنوات الرسمية، وإذا حضرت، فإما عبر ريبورتاجات فلكلورية موسمية، أو أخبار إدارية رتيبة أو في أحوال الطقس . أما قضايا المدينة الحقيقية، من الصحة إلى التهميش، فلا تجد لها صدى إلا نادرًا، وبمجهودات إعلاميين محليين مستقلين.
صمت النخب… وتواطؤ الخطاب
ما يُعزز هذا التنميط، هو صمت جزء من النخب المحلية، وغياب مبادرات لرد الاعتبار الخطابي والثقافي للمدينة. إذ لم يتم حتى اليوم إطلاق حملة جدية لتغيير الصورة النمطية، أو دعم وسائل إعلام محلية قادرة على إنتاج محتوى احترافي يُظهر تازة كما هي: مدينة عريقة، تعاني من التهميش، لكنها لم تفقد كرامتها.
من النكتة إلى التهميش الفعلي
الخطورة في هذا التنميط، أنه لا يبقى مجرد مزحة، بل يتحول إلى مبرر ضمني للإقصاء الفعلي. فعندما تُختزل المدينة في “نكتة”، يُصبح من الطبيعي تجاهل ملفاتها، وتقزيم حاجياتها، بل أحيانًا توجيه التهكم إلى مطالبها المشروعة.
“تازة قبل غزة”… الشعار الذي زاد الجرح عمقًا
في إحدى أكثر اللحظات دلالة، استُعملت تازة في صراع شعاراتي لا علاقة لها به، حين تم إطلاق عبارة “تازة قبل غزة”، في سياق جدل سياسي داخلي. العبارة لم تُولد من حب حقيقي لتازة، بل كانت محاولة لصرف الأنظار، ومقايضة القضايا العادلة. فوجدت المدينة نفسها طرفًا في معركة لا تخصها، أُخرجت من سياقها، وأُهينت مرتين: مرة بالتجاهل، ومرة بالتوظيف الشعبوي.
كيف يمكن تصحيح الصورة؟
• دعم الإنتاج الإعلامي المحلي الجاد (تلفزيوني، وثائقي، رقمي).
• الترافع لدى القنوات الرسمية لتغطية منصفة للمدينة.
• إنتاج مواد مرئية حول تاريخ تازة ومؤهلاتها الثقافية والطبيعية.
• إشراك الإعلاميين المحليين في شبكات التكوين والدعم الوطني.
• رد الاعتبار اللغوي: من خلال خطابات رسمية تُنصف المدينة، وتُعلي من قيمتها الرمزية.
________________________________________
تازة ليست نكتة. تازة حاضرة في قلب المغرب الجغرافي، والتاريخي، والمقاوم. والخطاب الساخر عنها ليس بريئًا دائمًا، بل يُعزز تهميشًا ماديًا ومعنويًا في آن. آن الأوان أن نُعيد للمدينة لغتها الحقيقية، وصورتها التي تليق بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى