في إقليم تازة، وتحديداً في مناطق مثل البرانس، غياثة، بني واراين والتسول، لا يُعتبر فصل الربيع مجرد فصل للمناظر الخلابة، بل هو موسم “الوليمة الشعبية” بامتياز. هنا، حيث تلتقي بساطة العيش بعمق التراث، تبرز أكلة “الفول المقلي” (أو المشوي) كعنوان للهوية المحلية، وطقس اجتماعي يجمع القلوب قبل الأبدان.
طقوس التحضير: من طين الأرض إلى حرارة النار
تبدأ حكاية هذه الأكلة من “الفراح”، تلك المقلاة الطينية التقليدية التي تُصنع من تربة المنطقة وتُشوى في أفرانها. يُوضع الفول الأخضر الطري، بحباته الممتلئة، فوق الفراح الساخن مع رشة ملح خفيفة. تبدأ الحبات في “الرقص” فوق النار، وتكتسب قشرتها ذلك اللون الذهبي المحروق الذي يفوح برائحة الشواء الأصيلة.
بعد القلي، يأتي السر التازي الذي يمنح الأكلة طراوتها؛ حيث يُنقل الفول وهو في قمة سخونته إلى “طنجية” (إناء فخاري) تُغلق بإحكام. هنا، يترك الفول “يعرق” في بخاره الخاص، مما يجعل اللب داخلياً يذوب ك الزبدة، بينما تظل القشرة محتفظة بنكهة النار.
أسرار النكهة: “مانتة” والزعتر.. عبق الجبل في كل حبة
ما يرفع “الفول المقلي” من مجرد وجبة بسيطة إلى مقام “الشهيوات” الرفيعة هو الإضافات العشبية التي يحرص عليها أهل تازة:
• عشبة “مانتة” (النعناع البري): هي “السر الدفين” في مطبخ المنطقة، تضفي برودة منعشة ونكهة برية لا تُنسى.
• الزعتر الجبلي: يضاف ليمنح الأكلة رائحة نفاذة وفوائد صحية وهضمية كبيرة، مما يجعلها وجبة متكاملة.
نبض الشارع: حنين، ذكريات، وفخر بالانتماء
عندما يُنشر خبر أو صورة لهذه الأكلة على منصات التواصل الاجتماعي، تشتعل التعليقات بفيض من المشاعر. يجمع أهل تازة في تعليقاتهم على أن هذه الأكلة هي “فاكهة الربيع” و”دواء الروح”.
وبين الحنين والفخر يتجدر الارتباط بالأرض، “رائحة الفول فوق الفراح تعيدنا لسنوات الطفولة، حيث كانت الجدة تجمعنا حول النار.” “هذا هو تراثنا الحقيقي، بسيط في مكوناته، عظيم في قيمته.”
إن “الفول المقلي” في إقليم تازة هو أكثر من مجرد وصفة؛ إنه رسالة حب من الأرض لأبنائها، وتذكير دائم بأن الجمال يكمن في البساطة، وأن التراث هو الخيط المتين الذي يربط الماضي بالحاضر. فبينما تتطور الطرق وتُبنى القناطر، يظل “الفراح” و”الفول المقلي” شاهداً على أصالة إنسان هذه المنطقة ووفائه لجذوره.