رشيد النهيري
في قلب الفلسفة التي تأسست عليها الجماعات الترابية، يقف المستشار الجماعي كحجر زاوية، يفترض فيه أن يكون صوت من لا صوت له، والمدافع الشرس عن حق الساكنة في التنمية والعيش الكريم. هو المواطن الذي منحه جيرانه ثقتهم عبر صناديق الاقتراع ليكون حلقة الوصل بينهم وبين دوائر صنع القرار. لكن، ماذا يحدث حين تنقلب هذه المعادلة، وتتحول “الأمانة” إلى أداة للترهيب، وتُستبدل لغة الحوار والإقناع بلغة التهديد والوعيد؟
إننا نشهد، في بعض الممارسات المعزولة والمقلقة، انزلاقاً خطيراً يضرب في الصميم جوهر الديمقراطية المحلية. فعندما يلجأ منتخب، اؤتمن على مصالح الناس، إلى تهديدهم بشكل مباشر أو غير مباشر – سواء بحرمانهم من حق مشروع في خدمة مرفقية، أو باستغلال نفوذه لعرقلة مصالحهم، أو حتى بالتهديد اللفظي الصريح – فإنه لا يرتكب مجرد سقطة أخلاقية، بل يرتكب خرقاً سافراً للقانون والميثاق الذي يربطه بمنتخبيه.
خرق للمواثيق وتعدٍ على القانون
من المهم التذكير بأن صفة “مستشار جماعي” لا تمنح صاحبها “سلطة شخصية” على المواطنين، بل تنيط به مسؤولية “التفويض” لتدبير شؤونهم وفقاً للقانون وتحت رقابته. وأي تهديد يصدر عنه هو شكل من أشكال الشطط في استعمال السلطة، وهو فعل يجرمه القانون ويضعه تحت طائلة المساءلة. فالكرسي الذي يجلس عليه ليس ملكاً له، بل هو ملك للساكنة التي فوضته مؤقتاً لتمثيلها.
تداعيات مدمرة على الثقة والسلم الاجتماعي
إن لهذا السلوك المشين تداعيات تتجاوز الفرد المهدَّد، لتطال النسيج الاجتماعي بأكمله:
تآكل الثقة: هو أول وأخطر أثر، حيث يؤدي هذا السلوك إلى تعميق هوة انعدام الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، ويغذي الشعور بأن هذه المؤسسات وُجدت لخدمة مصالح أفرادها لا المصلحة العامة.
شلل التنمية: المستشار المنشغل بتصفية الحسابات وممارسة الترهيب يهمل بالضرورة دوره الأساسي في الترافع عن المشاريع التنموية ومتابعة تنفيذها، فتتعطل مصالح الجماعة بأكملها.
تسميم المناخ العام: يساهم هذا السلوك في خلق بيئة من الخوف والتوتر، ويقوض السلم الاجتماعي الذي يعتبر أساس أي تطور حقيقي.
دعوة للمساءلة واليقظة
وكما تؤكد الفعاليات المدنية والحقوقية، فإن عهد “السيبة” الانتخابية قد ولى، والمواطن اليوم أصبح أكثر وعياً بحقوقه وأقل رهبة من التهديدات الجوفاء. وهنا، تبرز مسؤولية ثلاث جهات رئيسية:
الأحزاب السياسية: المطالبة بتأطير ومراقبة سلوك منتخبيها، والتبرؤ من أي ممارسة تسيء لصورة العمل السياسي النبيل.
السلطات الوصية: المكلفة بحماية المواطنين من أي شطط أو تجاوز، وضمان أن يظل المرفق العام في خدمة الجميع دون تمييز.
المجتمع المدني والإعلام: اللذان يقع على عاتقهما فضح هذه الممارسات وتوعية المواطنين بحقوقهم وآليات الدفاع عنها.
في خلاصة القول، إن المناصب تكليف لا تشريف، والكرسي زائل لا محالة. ومن يختار لغة التهديد اليوم، سيجد نفسه وحيداً ومنبوذاً غداً عندما يعود إلى صف المواطنين. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يرحم من خان ثقة الناس، والذاكرة الشعبية لا تنسى من استغل سلطته لترهيبهم بدلاً من خدمتهم.