الثقافية
الباحث في التاريخ المغربي عبد الخالق عبييي يفسر، المسألة الأمازيغية في المغرب: من الجدور التاريخية إلى رهانات الحاضر والذاكرة الجماعية

ذ.عبد الخالق عبيبي
لا يمكن قراءة تاريخ المغرب ولا فهم حاضره دون الوقوف عند المسألة الأمازيغية ،هذه الأخيرة هي العمود الفقري للهوية الوطنية المغربية عبر التاريخ في منطقة شمال إفريقيا ،فهم القبائل الأمازيغية باختلاف مناطق استيطانهم قبل الاحتلال الروماني والبيزنطي ومقاومة المتطفلين وكدا الفتوحات الإسلامية فعملوا منذ القدم على النهوض بكافة جوانب حياتهم المعيشية ولإتجار مع الفينيقيين بعد رسهم بالسواحل وتأسيس المدن،وصراعاتهم مع الفاتحين منذ القرن الأول للهجرة ،ثم دخولهم في دين الله أفواجا وتأسيس إمارات وعصبيات التي ستحمي بها في ما بعد الدول المركزية بالعصر الوسيط ،لكن بالرغم مما لعبوه من أدوار بطولية عبر التاريخ ،لقو تهميش بالفترات الأخيرة ،خصوصا بعد توغل المستعمر في مختلف ربوع المملكة متاجاوزين ما حققو في مقاوماتهم ضد المستعمر خصوصا بالقرن العشرين ،من ضهير بربري وتهميش للغة والثقافة والأعراف ونضالهم الثقافي إلى حين دسترة اللغة الأمازيغية .
الجدور التاريخية :الأرض والإنسان والدولة .
سكن الأمازيغ المجال الجغرافي الممتد من واحة سيوة بمصر إلى المحيط الطلسي ،ومن البحر المتوسط إلى تخوم الصحراء الكبرى وكما أشار الباحث (غابريل كامبس )أن الأمازيغ هم أبناء الأرض وخلافا لما روج إليه حول القبيلة الفوضوية التي حاول الإسعمار الروماني ثم الفرنسي ترويجها ،يبين البحث التاريخي أن الأمازيغ أسسوا ممالك منظمة وحكم المنطقة ملوك أشداء من أبرزهم نذكر قصرا لا حصرا الملك ماسينيسا ،وهو المؤسس الفعلي للدولة الأمازيغية ،رفع شعار إفريقيا للأفارقة ،وهزم حن بعل وكان هدفه توحيد شمال إفريقيا ،ووسع نفوذه من واد ملوية إلى طرابلس واتخد قيرطا عاصمتا له .
نجد أيضا الملك بوكوس الأول الذي حكم مملكة موريتانيا (المغرب القديم) وقد ضمكت مملكته حواضر كبرى مثل طنجة ،وليلي .لكن بعد وفاته سرعان ما انقسمت المملكة وخضعت تدريجيا للنفوذ الروماني .ثم نجد الملك يوغرطة حفيد ماسينيسا الذي دخل في معارك طاحنة مع أبناء عمومته كما تقول المصادر .جدير بالذكر الملك يوبا الأول الذي اعتبر (البرنس الأحمر)رمزا لملكه ومنعه على الرومان .
مرحلة الفتوحات الإسلامية من المقاومة إلى تبني الدين الإسلامي : بعد دخول الفاتحين إلى إفريقيا ،وتأسيس عقبة بن نافع لمدينة القيروان في (52للهجرة)لتكون مركزا للجهاد والتوسع في إفريقيا اتجاه المناطق الأخرى ، بدأت سلسلة من المقاومات والتي لم تكن نابعة من كره الدين الجديد ،بل ردة فعل طبيعية لحماية أرضهم ضد ما اعتبروه غزوا عسكريا يهدف للسبي ونهب الأرض ،فدخلو بمعارك مريرة مع الفاتحين تماما كما فعلو مع الرومان والوندال من قبلهم ،فواصلت الحروب مسارها لحوالي قرن من الزمن ،قاد هذه المقاومة زعماء أمثال (كسيلة، والكاهنة البربرية داهيا ،ميسرة المطغري ثم خالد بن حميد الزناتي بمعركة الأشراف 123للهجرة).
وضف الأمازيغ الدين للتحرر السياسي ،فلم يدخلو في حروب مباشرة دائما ولإنما استعملو وسائل متعددة كالمقاومة الدينية السياسية، بحيث كانوا يعتنقون عقائد ومذاهب تخالف دين الدولة الغازية للحفاض على تميزهم ،ففي العهد الروماني مثلا اعتنقوا المسيحية ،حيث كانت روما وثنية ،وبالعهد الإسلامي تبنوا مذهب الخوارج للثورة ضد الحكم الأموي ،مما يبين أن خياراتهم الدينية كانت أداة ساسية لرفض التبعية
وإذا كانت العصبية القبلية والمذهب الخارجي الذي اتخده الأمازيغ سلاحا لمواجهة الولاة بالعصر الوسيط ،فإن هذه المقاومة لم تختفي ،وعادت بقوة في القرن العشرين الذي يعتبر محطة مفصلية في التباس المسالة الأمازيغية لسببين :
الأول هو المخطط الإستعماري الفرنسي (الضهير البرري 1930) الذي حاولت من خلاله فرنسا التمييز قضائيا بين العرب والأمازيغ بهدف ضرب الوحدة الوطنية وتسهيل السيطرة ،وقد لقي هذا الضهير معارضة قوية من طرف الحركة الوطنية باعتباره غير شرعي ،لكن النتيجة الغير مباشرة لهذا الضهير أنه خلق حساسية مفرطة تجاه كل ما هو أمازيغي .
والثاني يتجسد في السيادة اللغوية ،فتبنت الجهات المختصة وقادة الحركة الوطنية (علال الفاسي وعبد الخالق الطريس إلخ)خيار التعريب للإدارة والتعليم كرد فعل ضد المخططات الإستعمارية ،بالرغم من أن النية وطنية إلا أن التطبيق كان غير شامل
مسار المطالبة ، ذلك أن النخب المغربية طالبت بإنصاف الهوية ،فبدأت تتشكل ملامح الحركة الثقافية الأمازيغية بتأسيس جمعيات مثل (الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي سنة 1967)،وبروز أشكال المطالبة (ميثاق أجدير1991) ،حيث اجتمعت الجمعيات وطالبت لأول مرة بدسترة اللغة الأمازيغية ،ثم (البيان الأمازيغي سنة 2000)،وهو وثيقة مرجعية وقعها مئات المثقفين بقيادة المفكر (محمد شفيق) طالبت برد الاعتبار .
وبعد تولي الملك محمد السادس العرش ألقى خطابا تاريخيا (خطاب أجدير 17أكتوبر 1901 في مدينة خنيفرة )الذي نقتبس منه ”…كما أننا نريد التأكيد على أن الأمازيغية التي تمتد جدورها في أعماق الشعب المغربي هي ملك لكل المغاربة دون استثناء …فقد ضل المغرب عبر العصور متميزا بالتحام سكانه مهما كانت أصولهم ولهجاتهم ،متشبتين بمقدساتهم ووحدة وطنهم ومقاومتهم لكل غزو أجنبي أو محاولة للتفرقة ” وبموجب هذا الخطاب تم تأسيس (المعهد الملكي للثقافة المازيغية ) وفي الشق الدستوري ، نص الفصل الخامس من دستور المملكة 2011 أن الأمازيغية لغة رسمية بالوطن إلى جانب العربية ،بالتالي تعتبر هذه الخطوة صلحا تاريخيا مع الروح المغربية ،واعتراف بواقع كان مدفون لعقود.
رهانات الحاضر : التفعيل والذاكرة الجماعية ،اليوم وبعد الترسيم الدستوري للأمازيغية انتقل النقاش من من الإعتراف إلى التنفيذ الفعلي ،وتبرز هنا جملة من الرهانات في مستهلها تحديات التعليم والإعلام ،فعملية تعميم التدريس بالأمازيغية في المدارس تسير ببطء ،نهيك عن ضعفها في الإعلام العمومي والإدارة والقضاء. بالتالي وجب تفعيلها لتصبح لغة وظيفية .
من الرهانات كذلك إعادة قراءة التاريخ نظرا للدور الأساسي الذي تقمصه الزعماء الأمازيغ في مقاومة التوغلات الإستعمارية حيث برزت شخصيات لعبت دور أساس في طرد المستعمر أمثال (أحمد الهيبة ،عسو باسلام،محمد بن عبد الكريم الخطابي وغيرهم )،وأخيرا مصطلح تامغربيت باعتباره وعي جمعي بأن الهوية المغربية انصهرت فيها عدة عناصر بما فيها العنصر العربي ،الأمازيغي ،الحساني ،الأندلسي وغيرهم .ومن مظاهر تجسيد هذا الوعي نجد قرار ملك المملكة لسنة 2023 باعتبار رأس السنة الأمازيغية يوم عطلة رسمية (إيض يناير) فارتباط الإنسان بالأرض هو إرث مشترك لكل المغاربة .كما تعزز المشهد السمعي البصري بإطلاق القناة الأمازيغية” الثامنة” في تقريبها من الجمهور.




