الثقافية

حين تنتصر الكلمة… حوار مع الأستاذ أحمد الشهبي، المتوج الذي يراهن على الأدب لبناء إنسان الغد

في سياق التحولات التي تعرفها المنظومة التربوية، يبرز اسم الأستاذ أحمد الشهبي، أستاذ بالثانوية الإعدادية مغراوة، كواحد من النماذج التي تجمع بين الرسالة التعليمية والإبداع الأدبي. تتويجه الأخير لم يكن مجرد اعتراف بمسار فردي، بل تأكيد على أن الكلمة الصادقة قادرة على بلوغ القلوب وصناعة الأثر. في هذا الحوار، يفتح لنا الأستاذ الشهبي نافذة على تجربته، ورؤيته لأدب الناشئة ودوره في الإصلاح التربوي.
سؤال: بداية، ما هو شعوركم بعد هذا التتويج؟ وماذا يعني لكم على المستويين الشخصي والمهني؟
الأستاذ، أحمد الشهبي:

حين تُعلَن النتائج، لا تصدّق أذنيك في البداية. تظنّ الأمر ضرباً من الوهم، أو أن ثمة خطأً في الأسماء. ثم حين يستقرّ اليقين في قلبك، لا تجد للفرح طريقاً إلى الوجه فحسب، بل تجده يسري في أعماقك كالدفء حين تُوقَد نار في ليلة باردة.

لكنّ ما شعرتُ به لم يكن انتشاء الفائز، بل كان شيئاً أهدأ وأعمق: شعور بأن الكلمة وصلت، وأن القصة التي كتبتها في لحظة إلهام حقيقي قد لامست أرواح من قرأوها وحكّموها. وهذا وحده يستحق كل ما بُذل من جهد.

على المستوى الشخصي، يأتي هذا التتويج في سياق مسيرة إبداعية متواصلة، بدأت بالرواية فأصدرتُ “عتمة قمم” و”المرضية”، ثم في القصة القصيرة مع مجموعتَي “ياسمين الخريف” و”تحت الركام”. كل هذه المحطات كانت تراكماً صامتاً، لم أبحث فيه عن الأضواء بقدر ما كنت أبحث عن الصدق مع الكلمة. فجاء هذا الاعتراف الوطني ليقول إن ذلك الصدق لم يذهب سُدى.

وعلى المستوى المهني، فهو رسالة تأكيد أن المعلم لا يقف عند حدود الفصل الدراسي، بل يمتد أثره إلى ما وراء الجدران، إلى حيث يصنع الوجدان ويُشكّل الخيال. وأن الجمع بين التدريس والإبداع ليس ترفاً، بل هو في حد ذاته رسالة تربوية يُجسّدها المعلم بفعله قبل كلامه.

سؤال: حدثونا عن فكرة القصة المتوجة ورسائلها التربوية.
الأستاذ، أحمد الشهبي:

قصة “يَومَ أَصبَحتُ بِحَجمِ نَملَةٍ” تنطلق من فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: ماذا لو أصبح طفل صغيراً كالنملة؟ ماذا سيرى؟ وماذا سيتعلم؟

اخترت النملة تحديداً لأنها في موروثنا الثقافي والديني آية من آيات الحكمة، كائن يعمل بصمت، يخطط، يتعاون، ولا يستأثر بشيء لنفسه. حين يصبح البطل بحجمها، يكتشف عالماً مختلفاً تماماً: عالم التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الكبار، عالم التعاون الحقيقي والعمل الجماعي، وعالم الحجم الحقيقي للأشياء حين تُقاس بالقيم لا بالمظاهر.

الرسائل التي حرصتُ على تمريرها ثلاث: أولاها أن الصِّغَر لا يعني الضعف، والعظمة الحقيقية في الفعل لا في الحجم. وثانيتها أن الطبيعة معلمة لا تُعوَّض، وأن التأمل فيها مدرسة للحياة. وثالثتها أن التعاون والانتماء للجماعة ليسا خضوعاً بل حكمة.

سؤال: كيف أثّرت تجربة التدريس في كتابتكم الإبداعية؟
الأستاذ، أحمد الشهبي:

الفصل الدراسي أقسى معمل إبداعي تعرفته. حين تقف أمام أربعين وجهاً متباين الأحلام والمخاوف والخلفيات، تدرك أن الكلمة لها وزن لا يُستهان به، وأن الحكاية التي تسرّب إلى خيال التلميذ في سن المراهقة قد تُحدد وجهة روحه للسنوات القادمة.

ثانوية مغراوة علّمتني أن أكتب بعيون الشباب لا بقلم الأستاذ. علّمتني الاستماع إلى ما لا يُقال، وقراءة الصمت والنظرة قبل الكلمة. وحين أجلس إلى الكتابة، أجد أن هذا التراكم الإنساني اليومي هو الرافد الأعمق لكل ما أكتبه، لأن الأدب الحقيقي لا يُولد في الفراغ، بل في قلب الحياة المعاشة.

سؤال: ما هو دور أدب الأطفال في إنجاح الإصلاح التربوي وخارطة الطريق؟
الأستاذ، أحمد الشهبي:

القانون الإطار 51.17 وخارطة الطريق 2022-2026 وضعا رهانات كبرى على تنمية الكفايات الحياتية وتكريس القيم المواطنة وترسيخ الهوية الثقافية. وأدب الأطفال، حين يُكتب بوعي ومسؤولية، هو الوعاء الأكثر قدرة على حمل هذه الرهانات دون أن يتحوّل إلى وعظ يُنفّر.

فالطفل لا يتعلم القيم حين تُمليها عليه بلغة المناشير والتعليمات، بل حين تستدرجه إلى حكاية يحبّها، وشخصية يتماهى معها، ولحظة يكتشف فيها بنفسه ما يصح وما لا يصح. وفي هذا بالضبط يتفوق الأدب على الكتاب المدرسي، لأنه يغرس دون أن يُشعرك بالغرس.

أتمنى أن تنتبه وزارة التربية الوطنية إلى أن الاستثمار في أدب الناشئة ليس ترفاً ثقافياً، بل هو الأساس الروحي لكل إصلاح تربوي يريد أن يصمد أمام اختبار الزمن.

سؤال: ما هي طموحاتكم المستقبلية ومشاريعكم القادمة؟
الأستاذ، أحمد الشهبي:

من يعرف مساري الإبداعي يعلم أنني لم أبدأ من فراغ. فقد صدر لي في الكتابة الروائية عملان: “عتمة قمم” و”المرضية”، وفي القصة القصيرة مجموعتان: “ياسمين الخريف” و”تحت الركام”. هذا الرصيد لم يكن محطات للتوقف، بل كان معابر أوصلتني إلى فضاء أدب الناشئة بوعي أعمق وأدوات أنضج.

فالروائي الذي اشتغل على تعقيد الشخصية الإنسانية، والقاص الذي راهن على كثافة اللحظة وشعرية التفصيل، حين يتجه إلى الطفل، لا يتخلى عن أدواته بل يُرهفها. يكتب بعيون الطفولة وبعقل من عرف الحياة.

في نفسي مشاريع تنتظر وقت الفراغ الذي نادراً ما يجيء. أفكر في مجموعة قصصية موجهة للطفولة الوسطى، تجمع بين جمال الإرث الحضاري المغربي وأسئلة الحاضر التي يطرحها أبناء هذا الجيل الرقمي. أريد أن أكتب قصصاً تُشعل فضول الطفل نحو بيئته الطبيعية والتاريخية، وتُعيده إلى لغته الجميلة في زمن تتزاحم فيه الشاشات على مساحة الخيال.

كما أسعى إلى أن يكون لأدب الناشئة حضور حقيقي داخل الفضاء المدرسي، لا بوصفه نشاطاً موازياً بل مكوناً أصيلاً في منظومة التعلم. الكتاب الذي يختار الطالب قراءته بحرية يعلّمه أكثر مما يُملى عليه في عشرات الحصص.

وما زلت أؤمن أن المعلم الكاتب هو الجسر الأمثل بين التربية والإبداع، لأنه يعيش الفعلَين في آنٍ واحد، ويعرف أين الجرح وأين الدواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى