مجتمع

الملف الأول، البطالة في إقليم تازة: أرقام مقلقة وأسئلة التنمية المؤجلة

في إقليم تازة، تبرز القضايا الاجتماعية المرتبطة بالبطالة والفقر والهشاشة والإعاقة كرهانات حقيقية تفرض نفسها بإلحاح على الأجندة المحلية، في ظل تحديات اقتصادية ومجالية معقدة. فارتفاع معدلات البطالة، خاصة في الوسط الحضري، وتراجع نسبة الساكنة النشيطة نتيجة الهجرة نحو مدن أكثر جذبًا، يفاقمان من مظاهر الهشاشة الاجتماعية، ويؤثران بشكل مباشر على الأسر محدودة الدخل. كما أن الفوارق بين العالمين الحضري والقروي، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية وفرص الشغل، تجعل فئات واسعة، من بينها الأشخاص في وضعية إعاقة، أكثر عرضة للإقصاء الاجتماعي. من هنا، يصبح تناول هذه المواضيع في سياق تازة ضرورة تنموية وأخلاقية، تستدعي مقاربة مندمجة تقوم على العدالة المجالية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتمكين الفئات الهشة من فرص حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي داخل مجالها الترابي.

تشير معطيات سنة 2024 للإحصاء العام للسكان والسكنى، إلى أن إقليم تازة سجل نسبة بطالة تقارب 26 في المائة، وهي نسبة مرتفعة بشكل لافت مقارنة بالمعدل الجهوي والوطني، ما يضع الإقليم أمام تحدٍّ تنموي حقيقي يستدعي قراءة تحليلية عميقة لأسباب هذا الوضع واستشراف الحلول الممكنة لتجاوزه.
الأرقام تكشف أن المجال الحضري بالإقليم يتجاوز فيه معدل البطالة المستوى الوطني بأربع نقاط، وهو مؤشر يطرح أكثر من علامة استفهام حول فعالية السياسات المحلية في خلق فرص الشغل داخل المدن، خاصة وأن المجال الحضري يُفترض أن يكون أكثر دينامية واستقطابًا للاستثمار.
كما أن نسبة الساكنة النشيطة في الوسط الحضري لا تتجاوز 36,3 في المائة، أي أقل بسبع نقاط مقارنة بالمعدل الوطني، وهو فارق يعزى أساسًا إلى هجرة الشباب والفئات في سن العمل نحو حواضر أكثر جذبًا توفر فرصًا مهنية أفضل، وعلى رأسها مدن كبرى بجهة فاس-مكناس وخارجها.
ويمكن ارجاع الأسباب لارتفاع البطالة بتازة إلى:
1. ضعف النسيج الاقتصادي المحلي
يعاني الإقليم من محدودية الاستثمارات الصناعية والخدماتية الكبرى، وغياب مناطق صناعية مهيكلة وقادرة على استقطاب مقاولات منتجة، ما يجعل الاقتصاد المحلي يعتمد أساسًا على أنشطة تقليدية ذات قيمة مضافة ضعيفة.
2. هشاشة سوق الشغل الحضري
رغم الطابع الحضري لمدينة تازة، فإن بنيتها الاقتصادية لا تعكس دينامية حضرية حقيقية، إذ يظل القطاع غير المهيكل حاضرًا بقوة، في مقابل محدودية فرص الإدماج المهني المنظم.
3. هجرة الكفاءات والشباب
يشكل نزيف الكفاءات أحد أبرز العوامل المؤثرة، حيث يتجه الشباب الحاصلون على شهادات عليا أو تكوين مهني نحو مدن توفر فرصًا أكبر، ما يُضعف قاعدة الساكنة النشيطة ويقلص من إمكانيات خلق مشاريع محلية.
4. ضعف ملاءمة التكوين مع حاجيات السوق
ثمة فجوة بين مسارات التكوين المتاحة وحاجيات النسيج الاقتصادي، سواء من حيث التخصصات أو المهارات التطبيقية، وهو ما يؤدي إلى بطالة حاملي الشهادات.
5. محدودية المبادرات الاستثمارية الكبرى
غياب مشاريع مهيكلة قادرة على خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة يجعل الاقتصاد المحلي رهين مبادرات صغيرة ومتفرقة لا تكفي لامتصاص البطالة.

فارتفاع البطالة لا ينعكس فقط على المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية مقلقة، من بينها:
تنامي الإحساس بالإحباط وسط الشباب.
ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية وربما الخارجية.
هشاشة الاستقرار الاجتماعي وتراجع القدرة الشرائية.
تقلص الوعاء الجبائي المحلي نتيجة ضعف النشاط الاقتصادي.
ولأجل ذلك واستجلاء لبعض المختصيين الاقتصاديين بمدينة تازة، فيمكن تجاوز هذه الارقام بمقترحات عملية يظل الفاعل السياسي أحد أهم الركائز التي وجب انخراطها بهذه الحلول المقترحة من أجل مقاربة شمولية، وأول هؤلاء أعضاء الغرف المهنية، وبرلمانيو الإقليم للترافع على هذه الوضعية بقبة البرلمان، والمجالس المنتخبة،
1. تحفيز الاستثمار المحلي والخارجي
تهيئة مناطق صناعية ولوجستيكية مجهزة.
تقديم تحفيزات جبائية وعقارية للمستثمرين.
تسويق مؤهلات الإقليم الطبيعية والجغرافية.
2. دعم المقاولة الذاتية والاقتصاد الاجتماعي
مواكبة الشباب في إحداث مقاولات صغيرة ومتوسطة.
تسهيل الولوج إلى التمويل.
تقوية آليات التأطير والتكوين في ريادة الأعمال.
3. ملاءمة التكوين مع متطلبات السوق
إحداث تخصصات مهنية مرتبطة بالقطاعات الواعدة (الفلاحة العصرية، الطاقات المتجددة، السياحة البيئية).
تعزيز الشراكات بين مؤسسات التكوين والمقاولات.
4. تثمين المؤهلات المجالية
يتوفر إقليم تازة على مؤهلات طبيعية وسياحية مهمة، يمكن استثمارها في تنمية السياحة الجبلية والبيئية، إلى جانب تطوير سلاسل الإنتاج الفلاحي ذات القيمة المضافة.
5. تعزيز الحكامة الترابية
تنسيق أكبر بين الفاعلين المحليين والجهويين.
إدراج الإقليم ضمن أولويات البرامج التنموية الجهوية.
تتبع وتقييم أثر المشاريع على التشغيل بشكل دوري.
خاتمة
تشكل نسبة 26 في المائة من البطالة بإقليم تازة جرس إنذار حقيقي، ليس فقط من زاوية الأرقام، بل من زاوية مستقبل جيل كامل يبحث عن أفق مهني كريم داخل مجاله الترابي. التحدي اليوم لا يكمن في تشخيص الوضع فحسب، بل في الانتقال إلى مرحلة الفعل، عبر رؤية تنموية مندمجة تجعل من تازة قطبًا جاذبًا للاستثمار ومولدًا لفرص الشغل، بدل أن تبقى محطة عبور نحو مدن أخرى.
فالرهان، في نهاية المطاف، هو إعادة الثقة للشباب في إمكانية النجاح داخل مدينتهم، وتحويل الإمكانات الكامنة إلى واقع اقتصادي ملموس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى