
تشهد دائرة واد أمليل حركية سياسية غير مسبوقة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، في مشهد يتسم بتبلور صراع ثلاثي بين أحزاب تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى محلياً، مقابل تراجع لافت لأحزاب أخرى كانت إلى وقت قريب رقماً صعباً في المعادلة الانتخابية.
تتجه الأنظار إلى التحركات المكثفة لكل من حزب التقدم والاشتراكية، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب الحركة الشعبية، حيث تعمل هذه التنظيمات على توسيع نفوذها داخل جماعات غياثة الغربية وبوشفاعة ومدينة واد أمليل، في إطار سباق مبكر لكسب مواقع متقدمة قبل الحسم في لوائح الترشيح.
هذا التحرك لا يبدو معزولاً عن قراءة دقيقة للواقع المحلي؛ فهذه الجماعات الثلاث تشكل خزّاناً انتخابياً مهماً، وأي اختراق فيها قد يحدد هوية الفائز بالمقعد البرلماني. وتراهن الأحزاب الثلاثة على استقطاب أعيان محليين ووجوه انتخابية ذات امتداد اجتماعي، مستفيدة من حالة التذبذب التي تعرفها بعض التنظيمات المنافسة.
في المقابل، يسجل حزب التجمع الوطني للأحرار تراجعاً واضحاً في حضوره بدائرة واد أمليل، وسط حديث عن نية عدد من مناضليه مغادرة الحزب مع اقتراب موعد الاستحقاقات. ويُتوقع، وفق المعطيات المتداولة محلياً، أن ينحصر ثقل الحزب في جماعة بوحلو فقط، بعد أن كان يحاول توسيع حضوره في جماعات أخرى.
هذا الانكماش الجغرافي والسياسي يعكس، في قراءة أولية، أزمة ثقة داخلية وضعفاً في القدرة على تعبئة القواعد الانتخابية، ما قد ينعكس سلباً على حظوظه في المنافسة، خاصة في ظل اشتداد الصراع بين الأحزاب الثلاثة المتصدرة للمشهد.
التحركات الحزبية لا تقتصر على الجماعات المذكورة، بل تمتد إلى أولاد ازباير وبني فراسن والربع الفوقي، حيث تتنافس نفس الأحزاب الثلاثة على كسب موطئ قدم، بالتوازي مع محاولة توسع حزب الاستقلال بهذه الجماعات.
وتُجمع قراءات محلية على أن جزءاً من القواعد الانتخابية في هذه المناطق ينظر إلى تموقعه السابق ضمن حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره “مجرد رقم انتخابي”، خاصة في ظل ما يوصف بضبابية موقف الحزب وعدم حسمه المبكر في اسم مرشحه، على بعد ستة أشهر فقط من موعد الاقتراع.
من بين أبرز عناصر الغموض التي تطبع المشهد، عدم التصريح الرسمي بمرشح بعض الأحزاب، إلى جانب غياب وضوح بشأن ترشح الغازي اجطيو، وهو ما يفتح الباب أمام التكهنات ويزيد من حدة الترقب داخل الأوساط السياسية والانتخابية.
فالرهان في دائرة واد أمليل لم يعد حزبياً صرفاً، بل بات مرتبطاً بشكل كبير بالأسماء القادرة على تجميع الأصوات وتجاوز الحسابات الضيقة. وفي هذا السياق، تبدو معادلة “المرشح القوي” عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات التحالفات وإعادة التموضع خلال الأشهر المقبلة.
في عمق هذا الحراك، يبرز وعي متزايد لدى الفاعلين المحليين بأن التشتت الانتخابي لا يخدم طموح الدائرة في ضمان مقعد برلماني قوي وفاعل. فالتنافس المفرط وتعدد اللوائح قد يؤديان إلى تشتيت الأصوات، بما يضعف فرص تمثيلية منسجمة تعكس ثقل المنطقة.
أمام هذا الواقع، تبدو واد أمليل مقبلة على مرحلة إعادة فرز سياسي حقيقي، عنوانه الأبرز: من ينجح في بناء تحالفات متينة، وتقديم مرشح توافقي قادر على استقطاب الكتلة الناخبة الواسعة، بعيداً عن منطق الحسابات الضيقة؟
الأشهر الستة المقبلة ستكون حاسمة في كشف ملامح الخريطة السياسية النهائية، وفي تحديد ما إذا كان الصراع الثلاثي سيفضي إلى إعادة تشكيل التوازنات، أم أن مفاجآت اللحظات الأخيرة ستقلب المعادلة برمتها.



