
عمار قشمار
مع كل موسم أمطار، يعود شبح الفيضانات ليخيم على حي الملحة بمدينة تازة، مخلفًا وراءه مشاهد مأساوية من العزلة والخسائر المادية والمعنوية. ورغم أن الكارثة تتكرر سنويًا، فإن الحلول الجذرية لا تزال غائبة، مما يطرح تساؤلات عميقة حول توزيع المسؤوليات بين الإهمال التاريخي، والتقصير الحالي للجهات المعنية، وضعف الإرادة السياسية.
– جذور الأزمة: تحوّل “واد الأربعاء” من مصدر حياة إلى مصدر خطر
تاريخيًا، لم يكن “واد الأربعاء” يمثل تهديدًا، بل كان شريان حياة يعتمد عليه السكان في الري والشرب. إلا أن عقودًا من التلوث البيئي، الناجم عن تفريغ مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة في مجراه، حولته إلى قنبلة موقوتة. هذا التدهور البيئي الخطير، الذي حدث تحت أنظار السلطات المتعاقبة، قلّص قدرة الوادي على استيعاب تدفقات المياه الطبيعية، وجعل فيضانه عند أولى التساقطات المطرية القوية أمرًا حتميًا.
– مسؤولية متعددة الأوجه مشتركة ومعقدة:
السلطات المحلية والمجلس الجماعي: يُعتبر المجلس الجماعي المسؤول المباشر عن التخطيط الحضري وتدبير الشأن المحلي. التقصير يظهر جليًا في عدم تنفيذ حلول مستدامة رغم الوعود المتكررة. ففي عام 2020، أعلنت جماعة تازة عن مشروع “حماية مدينة تازة من فيضانات وادي الأربعاء”، يتضمن بناء حواجز وجدران واقية بتمويل من صندوق محاربة آثار الكوارث الطبيعية. لكن استمرار معاناة الساكنة بعد سنوات من هذا الإعلان يثبت أن المشروع إما لم يُنفذ بالكامل، أو أن تأثيره كان محدودًا، مما يعكس ضعفًا في التنفيذ والمتابعة.
وكالة الحوض المائي لسبو: بصفتها الجهة المكلفة بتدبير الموارد المائية في المنطقة، تتحمل الوكالة مسؤولية مباشرة في صيانة مجاري الأودية وحمايتها من التلوث والتعديات. عدم تنقية مجرى واد الأربعاء وتوسيعه بشكل دوري وفعال ساهم بشكل مباشر في تفاقم خطر الفيضانات.
وزارة التجهيز والماء: تُشير زيارة وزير التجهيز السابق للحي إلى اعتراف حكومي بحجم الكارثة. ومع ذلك، بقيت الوعود التي قُدمت خلال تلك الزيارات حبرًا على ورق، مما ينم عن غياب استراتيجية حكومية واضحة ومُلزمة لحل المشكلة بشكل نهائي.
– حلول بين الممكن والمُهمَل
قدم السكان والخبراء المحليون حلولاً عملية وبسيطة كان من شأنها التخفيف من حدة الكارثة على الأقل، ومنها:
– تنقية وتوسيع مجرى الوادي.
– إعادة هيكلة شبكة الصرف الصحي لمنع تدفقها العكسي إلى المنازل.
– وقف التعديات على حرم الوادي.
– فتح حوار جاد مع السكان المتضررين لتعويضهم أو إعادة إيوائهم.
هذه الحلول، رغم بساطتها، تتطلب إرادة سياسية حقيقية وتنسيقًا فعالاً بين جميع الجهات المتدخلة، وهو ما يبدو أنه الحلقة المفقودة في هذه المعادلة.
إن مأساة حي الملحة ليست مجرد نتيجة لكارثة طبيعية، بل هي في جوهرها نتاج عقود من سوء التدبير والإهمال المؤسسي.
استمرار الوضع على ما هو عليه لا يهدد فقط بمزيد من الخسائر المادية، بل يهدد أرواح المواطنين، كما حدث في فيضانات سابقة.
لقد حان الوقت لتجاوز الحلول الترقيعية والوعود الموسمية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتبني رؤية تنموية شاملة تضمن حق ساكنة حي الملحة في العيش بأمان وكرامة، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.



