مجتمع

رصاص الليل في تازة: “قنص” الكلاب الضالة يضع السلطات في مواجهة القانون والمجتمع المدني

لم يكن دوي الرصاص الذي اخترق هدوء ليل مدينة تازة مجرد صوت عابر، بل كان إعلاناً عن عودة ممارسة خطيرة ومثيرة للجدل: “قنص” الكلاب الضالة. هذه العمليات، التي تكررت في أحياء متفرقة، فتحت الباب على مصراعيه أمام أزمة متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها مخاوف السكان على سلامتهم، مع صرخة المجتمع المدني، وصلابة النصوص القانونية.

بدأت القصة بشهادات متفرقة لسكان استيقظوا مفزوعين على أصوات طلقات نارية. يقول أحد سكان حي الوفاق: “الساعة الثانية والنصف صباحاً، تسمع صوت الرصاص يلعلع بجانبك. إنه شعور بالرعب لا يوصف. نعلم أن هناك كلاباً ضالة، لكن هل الحل هو ترويع أحياء بأكملها؟”. هذه الشهادات سرعان ما تحولت إلى قضية رأي عام محلي، خاصة مع العثور صباحاً على آثار دماء في الشوارع، في ظل صمت مطبق من الجهات الرسمية، التي لم تصدر أي بلاغ لتوضيح ما يحدث أو طمأنة الساكنة.

أمام هذا الغموض، خرجت مؤسسة “FAN” لحماية الحيوانات ورعاية الطبيعة – فرع تازة، ببيان استنكاري شديد اللهجة، واصفة ما يحدث بـ”الجريمة المكتملة الأركان”. البيان، الذي استند إلى شهادات موثقة، لم يكتفِ بالإدانة الأخلاقية، بل وضع الفعل في إطاره القانوني الدقيق، معتبراً إياه خرقاً مزدوجاً:
– خرق إداري سافر: تجاهل تام لاتفاقية الإطار الوطنية الموقعة سنة 2019، والتي تخلت بموجبها السلطات العمومية عن القتل كحل، واعتمدت برنامج TNR (التعقيم والتلقيح) كاستراتيجية وحيدة ومستدامة.
– خرق جنائي خطير: استعمال السلاح الناري داخل تجمّع سكني، وهو فعل يعاقب عليه القانون الجنائي لما يمثله من تهديد مباشر لحياة المواطنين وسلامتهم.
وطالبت المؤسسة بفتح تحقيق فوري وتحديد المسؤوليات، مؤكدة أن “السكوت عن هذه الممارسات هو تهديد للأمن العام ولمبدأ سيادة القانون”.

ما يزيد من خطورة ما يقع في تازة هو أنه لا يستند إلى أي أساس قانوني. فالقانون التنظيمي للجماعات، وإن أعطاها صلاحية تدبير ملف الحيوانات الضالة، لم يجز لها القتل بالرصاص. بل إن التوجه الرسمي للدولة يسير في الاتجاه المعاكس تماماً.
والأهم من ذلك، هو السابقة القضائية التي أرستها المحكمة الإدارية بالرباط في حكم شهير، حيث حمّلت وزارة الداخلية المسؤولية عن عمليات قتل مماثلة، ليس بسبب تنفيذها المباشر، بل بسبب “تقاعسها في ممارسة سلطة الإشراف والرقابة” على الجماعات لضمان تطبيقها للقانون والاتفاقيات الوطنية. هذا الحكم يجعل أي سلطة محلية أو إقليمية تتغاضى عن “القنص” عرضة للمساءلة القضائية.

تقف السلطات المعنية في تازة اليوم في موقف حرج. فمن جهة، هناك ضغط لمعالجة ظاهرة الكلاب الضالة، ومن جهة أخرى، هناك مقاربة “القنص” التي تضعها في مواجهة مباشرة مع القانون، القضاء، والمجتمع المدني، وتهدد سلامة المواطنين الذين يُفترض حمايتهم.
إن الكرة الآن في ملعب المسؤولين المحليين والإقليميين: فإما الانصياع لسيادة القانون وتبني الحلول الحضارية التي أقرتها الدولة، أو الاستمرار في نهج يجر المدينة إلى أزمة حقوقية وأمنية، ستكون لها حتماً تبعات قانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى