الرأي

الأسواق العشوائية: حين يتحول الشارع إلى مصدر رزق وجحيم في آن واحد

عمار قشمار
الصور القادمة من شوارع مدينة تازة، حيث تفترش البضائع المتراكمة قارعة الطريق، ليست مجرد مشهد عابر، بل هي مرآة تعكس واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا معقدًا تعيشه العديد من مدننا. إنها ظاهرة “الفراشة” أو الأسواق العشوائية، التي تحوّل الفضاء العام من مكان للعبور والعيش المشترك إلى ساحة صراع صامت بين الحق في كسب الرزق والحق في بيئة منظمة وهادئة. فهل هذه “فوضى خلاقة” كما يسميها البعض، أم أنها أزمة إدارة وتخطيط تستدعي حلولًا جذرية؟
* الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية: صراع البقاء
لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون الغوص في جذورها الاقتصادية. في ظل اقتصاد يعاني من تحديات هيكلية، وارتفاع معدلات البطالة، وندرة فرص الشغل اللائق، يصبح الرصيف هو الملاذ الأخير للكثيرين. البائع المتجول ليس مجرمًا بطبعه، بل هو في الغالب أب أسرة أو شاب طموح لم يجد أمامه بابًا مفتوحًا سوى باب الشارع. بالنسبة له، تلك الأمتار القليلة التي يحتلها ليست اغتصابًا للملك العام، بل هي “مكتبه” و”متجره” الذي يضمن له ولأسرته لقمة العيش في نهاية اليوم. إنها قصة كفاح يومي ضد الفقر والحاجة، ومعركة من أجل البقاء في وجه ظروف اقتصادية قاسية.
* الأبعاد الحضرية والمعيشية: حق مسلوب
على الجانب الآخر من المعادلة، يقف المواطن الذي اشترى عقارًا يحلم فيه بالاستقرار والسكينة، ليجد أن حلمه قد تبخر. يتحول الشارع الذي كان من المفترض أن يكون متنفسًا له ولأطفاله إلى مصدر إزعاج دائم. ضوضاء الباعة والمشترين، إعاقة حركة السير والراجلين، تراكم النفايات، والمظهر غير اللائق، كلها عوامل تحول حياة السكان إلى جحيم يومي. يتساءل هذا المواطن بحق: أين حقي في فضاء عام نظيف وآمن؟ ألم أدفع ضرائبي لأجل خدمات بلدية تضمن لي الحد الأدنى من جودة الحياة؟ هنا، يصبح الحق في السكن اللائق والبيئة السليمة حقًا مسلوبًا باسم “الحق في العمل”.
* مسؤولية المجالس المنتخبة: بين المطرقة والسندان
تقف المجالس البلدية والسلطات المحلية في قلب هذه المعضلة، ممزقة بين تطبيق القانون وهيبته، وبين تفهم الظروف الاجتماعية والإنسانية للباعة. إن المقاربة الأمنية القائمة على المطاردة والمصادرة أثبتت فشلها على المدى الطويل؛ فهي لا تعالج أصل المشكلة، بل تخلق حالة من الكر والفر وتزيد من الاحتقان الاجتماعي.
وهنا تطرح التساؤلات المشروعة : ما هو دور هذه المجالس التي انتُخبت لتدبير الشأن العام؟ هل يقتصر دورها على المشاهدة السلبية أم على الحلول الترقيعية؟ ألم يكن من الأجدر بها التفكير في حلول مبتكرة ومستدامة بدلًا من ترك الوضع يتفاقم؟ إن غياب الرؤية الاستراتيجية والتخطيط الحضري الذي يأخذ بعين الاعتبار هذه الفئة من المجتمع هو السبب الجذري في تحول الظاهرة إلى أزمة.
* نحو حلول متوازنة ومستدامة:
الحل لا يكمن في إقصاء طرف لصالح الآخر، بل في إيجاد صيغة توازن تحفظ كرامة البائع وحق المواطن. وهذا يتطلب شجاعة سياسية ورؤية واضحة:
– إنشاء أسواق نموذجية: تخصيص فضاءات مهيأة ومنظمة للباعة بأسعار إيجار رمزية، تكون مجهزة بالخدمات الأساسية (نظافة، أمن، كهرباء)، وتحترم معايير السلامة.
– التشخيص والحوار: إجراء إحصاء دقيق للباعة المتجولين وفتح حوار مباشر معهم لفهم احتياجاتهم وإشراكهم في إيجاد الحلول.
– التحفيز على الاندماج: تقديم تسهيلات ضريبية وإدارية لتشجيع هؤلاء الباعة على الانتقال من القطاع غير المهيكل إلى القطاع المنظم، كالانخراط في نظام المقاول الذاتي.
– تطبيق القانون بحزم وعدل: بعد توفير البدائل، يجب تطبيق القانون بحزم على كل من يصر على احتلال الملك العام، لضمان عدم عودة الفوضى.
إن ظاهرة الأسواق العشوائية هي عرض لمرض أعمق، وليست المرض نفسه. إنها نتاج أزمة اقتصادية وغياب للتخطيط الحضري المبتكر. والحل لن يأتي من خلال إدانة البائع الفقير أو لوم الساكن المتضرر، بل من خلال تحمل المجالس المنتخبة لمسؤوليتها كاملة في خلق مدن تحتضن الجميع، مدن تحفظ كرامة من يكافح من أجل لقمة العيش، وتصون حق من يحلم بالعيش في سكينة ووئام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى