الأستاذ. محمد اربيب
على هامش الإعلان عن نتائج مباراة التعليم، يستعد فوج جديد من الأساتذة للالتحاق بالأقسام الدراسية الموسم المقبل، بعد فترة تكوين لا تتجاوز ستة أشهر. ستة أشهر فقط لاكتساب مهنة تُبنى داخلها العقول، وتُصاغ القيم، وتُدار فيها أقسام مكتظة مشتركة، وتُواجه داخلها نفسيات هشّة ومناهج متقلبة… وهي مهمة دقيقة لا تحتمل التجريب ولا الاستعجال.
السؤال هنا ليس: هل سينجح هؤلاء الأساتذة الجدد؟
بل الأجدر أن نسأل: كيف نضعهم أصلا في هذا الوضع؟
كيف نحمّلهم مسؤولية أجيال كاملة، ونكتفي بتكوين محدود، ثم نطالبهم بتحقيق نتائج كبرى داخل القسم دون توفير الشروط المهنية والمعرفية اللازمة؟
أنا بدوري رجل تعليم التحقت بالمهنة حديثا السنة الماضية، وعانيت ما سيعيشه هؤلاء القادمون الجدد. فقد اكتشفت —مثل كثيرين— أن التكوين الذي تلقيناه لم يعدنا حتى للمهام الأساسية في الممارسة اليومية: ملء ملف الغياب، إعداد الدفتر اليومي، تدبير النقط عبر “مسار”، إعداد الامتحانات وتقويم التعلمات… وأتحدى —وأنا من خريجي المراكز، وقبلها من خريجي المدارس العليا للأساتذة— أن يتمكن عدد كبير من المتخرجين الجدد من أداء هذه المهام بشكل سليم منذ البداية.
وهذا لا يعود إلى ضعفهم الشخصي… بل هو دليل واضح على قصور المنظومة التكوينية عن مواكبة الواقع المدرسي.
يزداد الوضع تعقيدا حين يفتح باب التوظيف في عدد من التخصصات دون مراعاة خصوصية السلك ولا طبيعة المهام البيداغوجية المرتبطة به.
فالتعليم الابتدائي —على سبيل المثال— يُفتح في كثير من الأحيان في وجه حاملي جميع الإجازات، وكذلك الشأن في تخصصي اللغة الفرنسية والتربية البدنية، مع أن لكل مجال خصوصياته التربوية والمعرفية التي تستدعي تكويناً موجهاً ومطابقاً لواقع الممارسة الصفّية. وهنا لا يتعلق الأمر بالانتقاص من قيمة هذه التخصصات أو من كفاءة حامليها، بل بالتأكيد على قاعدة بيداغوجية بسيطة:
لا يمكن فصل التكوين الجامعي عن طبيعة السلك والمؤهلات التربوية المطلوبة داخله.
ففي المدارس العليا للأساتذة، كان الطالب الذي يتخصص في التعليم الابتدائي يتلقى تكويناً موجهاً لهذا السلك تحديداً، بينما يتلقى طالب التربية البدنية أو اللغة الفرنسية تكويناً علمياً وبيداغوجياً ملائماً لمجاله. واليوم نجد مفارقات تُطرح بإلحاح:
• كيف يمكن لشخص درس في الإجازة القانون أو الاقتصاد أو التاريخ أن يُكلَّف بتدريس التعليم الابتدائي، وهو سلك يحتاج إلى تكوين نفسي-تربوي خاص، وإلمام بمقاربات القراءة والحساب وبيداغوجيا المتعلم الصغير؟
• وبالمقابل، كيف يمكن لشخص تلقى تكويناً متخصصاً في التعليم الابتدائي داخل المدارس العليا للأساتذة أن يُعاد توجيهه لتدريس التربية البدنية أو اللغة الفرنسية دون إعداد أكاديمي مطابق؟
وقس على ذلك من الأمثلة التي تكشف بوضوح عن اختلال بنيوي في تدبير التخصصات وتوجيه الموارد البشرية داخل المنظومة التربوية
فكثيرون لا يلجون التعليم عن اختيار مهني واعٍ، بل تحت ضغط محدودية فرص الشغل في مجالاتهم، فيتحول التعليم من مشروع لبناء الإنسان… إلى حل اجتماعي مؤقت. وهنا تبرز مسؤولية الدولة في توفير مسارات مهنية بديلة تحترم اختصاصات الخريجين، بدل تحويل المدرسة إلى ملجأ لانسداد الآفاق.
الحقيقة أن الأستاذ ليس المشكلة… بل هو أول ضحايا النموذج الحالي للتكوين.
فعندما يتحول التكوين إلى مرحلة عابرة، ويقدم الالتحاق بالقسم كغاية في حد ذاته، نكون قد خلطنا بين منطق سدّ الخصاص ومنطق بناء المدرسة.
في عدد من التجارب الدولية الناجحة، يُنظر إلى المدرّس باعتباره عنصرًا استراتيجيًا في بناء المجتمع. ففي اليابان مثلًا، يقضي الطالب-الأستاذ خمس سنوات داخل كليات علوم التربية لبناء كفاياته المعرفية والقيمية والبيداغوجية، ثم يخضع لثلاث سنوات إضافية من التكوين المستمر الموازي للممارسة داخل القسم.
الفرق لا يكمن في المدة الزمنية فقط، بل في الفلسفة التي تؤطّر تكوين الأستاذ:
• هناك، يُنظر إليه كـ مهندس للإنسان، يُستثمر في تكوينه الزمن والمال والخبرة والصبر.
• وهنا، كثيرًا ما يُختزل في رقم وظيفي لسدّ الخصاص، يُكوَّن على عجل ثم يُحاسَب على نتائج لم تُمنح له أدوات تحقيقها.
إن المدرسة لا تُبنى بمنطق الاستعجال، ولا تُصلح بالترقيع المرحلي. فالاستهانة بزمن التكوين تنعكس مباشرة على زمن التعلم وجودته، وعلى صورة المهنة ومكانة المدرسة داخل المجتمع.
ولذلك فإن الحل لا يكمن في إضافة ساعات تكوين أو تغيير مسميات المجزوءات، بل في إعادة بناء فلسفة التكوين من أساسها، عبر:
• ملاءمة التخصصات الجامعية مع المسارات التربوية المطلوبة لكل سلك؛
• خلق مؤسسات متخصصة حقيقية لإعداد أساتذة المستقبل، تقوم على تكوين عميق ومندمج بين الجامعة والممارسة الميدانية؛
• وإعادة النظر في دور المدارس العليا للأساتذة والمراكز الجهوية بصيغتها الحالية، التي أثبتت محدوديتها في مواكبة التحولات المهنية والتربوية.
فالتعليم ليس عملية إدارية لملء الفراغات…
بل مشروع مجتمع يقوم على إعداد أستاذ قوي معرفيًا، راسخ مهنيًا، ومؤهّل إنسانيًا.
ومن يستخف بزمن التكوين، فلا ينبغي أن يستغرب زمن الرداءة الذي تعيشه المدرسة المغربية العمومية اليوم.
ذ: محمد اربيب