عمار قشمار
مقدمة
في المشهد السياسي المحلي، تبرز ظواهر تستدعي التوقف والتحليل العميق، لا لغرابتها فحسب، بل لتأثيرها المباشر على مصالح المواطنين. إن الوصف الساخر للمشهد السياسي في تازة، حيث “تتحوّل الأدوار السياسية بسرعة الضوء: معارضة تتقمّص دور الأغلبية وأغلبية تُجيد تمثيل المعارضة”، ليس مجرد طرافة صحفية، بل هو تشخيص دقيق لحالة من السيولة السياسية والخلل المؤسساتي الذي يضرب جذور العمل الجماعي في العديد من المجالس المحلية. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ “السياسة العكسية”، تحوّل قاعات التداول إلى مسارح للصراع الشخصي، وتهدد بتحويل الديمقراطية المحلية إلى مجرد فرجة سياسية عقيمة.
1. الأغلبية المعارضة: تحالفات هشة وولاءات متقلبة
إن تبادل الأدوار بين الأغلبية والمعارضة، أو ما يُعرف بظاهرة “الأغلبية المعارضة”، هو نتاج مباشر لضعف البنية الحزبية على المستوى المحلي وغياب الأيديولوجيا الواضحة في تشكيل التحالفات [1]. فبدلاً من أن يكون الاصطفاف السياسي مبنياً على برامج عمل متكاملة أو رؤى تدبيرية متنافسة، يصبح رهيناً للمصالح الشخصية والتحالفات اللحظية التي تتشكل وتتفكك بسرعة الضوء.
عندما تبدأ الأغلبية في ممارسة دور المعارضة، فإنها في الواقع تعارض نفسها، أو تعارض جزءاً من مكوناتها، مما يعكس صراعاً داخلياً على السلطة أو تمرداً على رئيس المجلس من داخل فريقه. النتيجة الحتمية لهذه “السياسة العكسية” هي الجمود والعطالة في تدبير الشأن المحلي [2]. فالأجندة التنموية تتوقف، والمشاريع تتعثر، وتصبح قاعة المجلس ساحة للتلاسن وتبادل الاتهامات بدلاً من أن تكون ورشة عمل لخدمة الساكنة.
2. الانضباط الحزبي: رفاهية زائدة أم ضرورة مؤسساتية؟
تتفاقم أزمة “السياسة العكسية” مع تآكل الانضباط الحزبي. إن امتناع مستشارين عن التصويت ضد نقطة قدمها رئيس لجنة من حزبهم، هو مؤشر خطير على أن الولاء الحزبي والالتزام التنظيمي قد فقدا قيمتهما 3. فالانضباط أصبح “رفاهية زائدة”، وهو وصف يلامس جوهر المشكلة: فقدان الأحزاب لقدرتها على تأطير منتخبيها وفرض رؤيتها الموحدة.
هذا التآكل يعود إلى سببين رئيسيين:
• ضعف التأطير الحزبي: فشل الأحزاب في غرس ثقافة النضج المؤسساتي والالتزام بالبرنامج السياسي المشترك [3].
• تغليب المصلحة الفردية: تحول المنتخب المحلي إلى فاعل مستقل يزن قراراته بناءً على حسابات شخصية أو فئوية ضيقة، بدلاً من الالتزام بالخط الحزبي العام.
إن غياب الانضباط الحزبي يفتح الباب أمام “الترحيل السياسي” المقنع، حيث يبقى المنتخب داخل حزبه شكلياً ولكنه يمارس المعارضة الفعلية ضد قراراته، مما يزيد من حالة الفوضى وعدم الاستقرار.
3. “البوز” بدلاً من الانسجام: تكلفة الاستعراض السياسي
إن الاستعارة الرياضية الساخرة لوصف الجسم السياسي بأنه “أحسن فريق في العالم” الذي ينجح في صناعة “البوز” (الضجة الإعلامية) أكثر مما يحقق “الانسجام التنظيمي”، تلخص ببراعة أزمة الأداء. لقد تحول الهدف من العمل السياسي المحلي من التدبير الفعال إلى الاستعراض السياسي وإثارة الانتباه.
هذا التركيز على “البوز” يمثل خطراً حقيقياً على الديمقراطية المحلية، لأنه:
• يصرف الانتباه: عن القضايا الجوهرية المتعلقة بالتنمية والخدمات.
• يُفرغ العمل من محتواه: حيث يصبح الصراع السياسي غاية في حد ذاته، وليس وسيلة لتحقيق الأفضل للساكنة.
إن الفريق الذي “يلعب بالشوط الأول ضد نفسه، وبالشوط الثاني ضد حلفائه” هو فريق فاشل في مهمته الأساسية، حتى لو نجح في تصدر عناوين الأخبار.
خاتمة: نحو نضج مؤسساتي
إن ظاهرة “السياسة العكسية” وتآكل الانضباط الحزبي في المجالس المحلية هي أعراض لمرض أعمق يتمثل في غياب النضج المؤسساتي وتراجع دور الأحزاب كقوة تأطيرية.
يجب أن يعود العمل السياسي المحلي إلى جوهره: خدمة الصالح العام. وهذا يتطلب من الأحزاب السياسية مراجعة آليات تأطير منتخبيها، والعمل على ترسيخ ثقافة الالتزام بالبرنامج، والقطع مع الممارسات التي تجعل من الصراع الداخلي هدفاً بدلاً من أن يكون استثناءً. فالثمن الحقيقي لهذه “الفرجة السياسية” لا يدفعه السياسيون، بل يدفعه المواطن الذي ينتظر التنمية والخدمات من مجلسه المحلي.
المراجع
[1] مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية. النخبة السياسية و صناعة القرار المحلي. (إشارة إلى أن التدبير المحلي أرضية لتطوير طرق التدبير التقليدية).
[2] Agadir24 العنف داخل المجالس الجماعية: حين تتحول قاعات التسيير إلى… (إشارة إلى أن الأغلبية قد تنقلب بين عشية وضحاها والنتيجة هي الجمود والعطالة).
[3] صوت الصحراء. الجماعات الترابية بالمغرب بين طواف الفوضى واستحقاق… (إشارة إلى ضعف آليات التأطير الحزبي وغياب النضج المؤسساتي).