الرأي

حين تتحول الوطنية إلى استعراض شكلي

من مساوئ ادّعاء الوطنية أن يُضحّي الإنسان بالمبادئ والقيم تحت ذريعة حب الوطن. فما نشهده هذه الأيام في عدد من المؤسسات من احتفالات بعيد الوحدة والمسيرة الخضراء، يبعث على السرور في ظاهره، إذ لا أحد ينكر أن تربية الناشئة على حب الوطن أمر نبيل وغاية تربوية سامية.

لكن المؤسف أن بعض هذه المبادرات تُفرَّغ من مضمونها الحقيقي، حين تُختزل الوطنية في مظاهر سطحية واستعراضات غريبة عن ثقافتنا وهويتنا. فبدل أن تكون المناسبة فرصة لغرس معاني الانتماء والمسؤولية، تتحول أحيانًا إلى عروض موسيقية راقصة، يُنصت فيها المتعلمون والمواطنون صغارا وكبارا لأغانٍ لا مضمون وطني لها، تؤديها مغنيات لا صلة لهنّ بالقيم أو بقضايا الوطن، وكأن الرسالة أصبحت مجرد “فرجة” لا أكثر.

وما يزيد المشهد ابتذالًا، أن ترافق هذه الأغاني رقصات دخيلة عن الذوق والثقافة المغربية، مع تكرار عبارات مثل “نموت على بلادي ووالدي” بطريقة آلية خالية من الوعي، يتبعها ذكر عشوائي لبعض المدن، دون أي سياق أو مضمون تربوي.

أليس في ذاكرة الفن المغربي عشرات الأغاني الوطنية الخالدة، التي صنعت وجدان أجيالٍ كاملة، وكانت تحفّز على العمل والإخلاص والالتزام؟ منذ المسيرة الخضراء، لم ينقطع صوت الفن الوطني الأصيل، لكنه تراجع أمام موجة من الأغاني التجارية التي لا تحمل من الوطنية سوى الاسم.

إنّ الوطنية الحقيقية لا تُختزل في لحن أو رقصة، بل تتجلى في بناء الإنسان، وغرس القيم، وتعزيز الوعي الجماعي بما يقتضيه حب الوطن من سلوكٍ ومسؤولية. فالوطن لا يحتاج إلى من “يموت” من أجله في أغنية، بل إلى من “يعيش” من أجله بوعيٍ وصدقٍ وعمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى