فتاح أولهاني
في الوقت الذي تعلن فيه الدولة المغربية انخراطها الكامل في محاربة الفساد وتعزيز آليات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، تطفو إلى السطح وقائع وممارسات تناقض هذا الخطاب الرسمي، وتكشف عن منطق مقلوب يُكرّم فيه الفاسد ويُعاقب فيه من يفضحه.
قضية الناشط عامر القندوسي من مدينة تازة تقدم نموذجا حيّا لهذا التناقض الصارخ. فالرجل، المعروف محليا بمواقفه المنتقدة لتسيير الشأن البيئي ومقالع الحجارة بدائرة وادي أمليل، نشر قبل أسابيع فيديوهات وتسجيلات صوتية توثّق، حسب زعمه، تجاوزات خطيرة في تدبير الرخص وتوزيع الامتيازات، إضافة إلى شُبهات حول أماكن الذبح وجودة المراقبة الصحية في المنطقة.
هذه الخرجات الإعلامية لم تلق آذانا رسمية صاغية، ولا دفعت إلى فتح تحقيق إداري أو قضائي نزيه حول ما ورد فيها، بل كان رد فعل الدولة سريعا وحاسما في الاتجاه المعاكس تماما. إذ جرى اعتقال القندوسي ومتابعته بتهم ثقيلة، من بينها “نشر وتوزيع أخبار كاذبة”، “التشهير”، “إهانة موظفين عموميين”، و”التبليغ عن جريمة يعلم بأنها غير واقعية”. وهي تهم لا تخلو من دلالات سياسية واضحة، تعكس رغبة في إسكات صوت مزعج أكثر من الحرص على حماية النظام العام أو سمعة الإدارة.
الأخطر في كل ما جرى، ليس فقط محاكمة القندوسي، بل الصمت المريب للجهات المسؤولة التي لم تُكذّب ما جاء في تسجيلاته، ولم تُبرّئ نفسها بحجج واقعية أو ببيانات دقيقة، بل اكتفت بترك المتابعة القضائية تأخذ مجراها، وكأن في ذلك كفاية لإسكات الجدل. هذا الصمت الرسمي لا يخدم سوى منطق الريبة ويعزز الشك في شفافية المؤسسات، بل ويكرّس قناعة شعبية متزايدة بأن من يرفع صوته ضد الفساد معرض للملاحقة لا للحماية.
والواقع أن ما فعله عامر القندوسي، بغض النظر عن أسلوبه أو لغته، يندرج ضمن ممارسة الحق الدستوري في حرية التعبير، وضمن مسؤولية المواطن في مراقبة الشأن العام، خصوصا حين يتعلق الأمر بصحة المستهلك وبيئة عيش السكان. فهل المطلوب من المواطنين أن يصمتوا أمام ما يعتبرونه فسادا؟ أم أن يكونوا شهود زور على ما يجري حولهم؟ وإذا كان الحديث عن تجاوزات في توزيع رخص المقالع أو في الرقابة البيطرية جريمة، فما الذي تبقّى من دور المجتمع المدني؟ وما معنى التقارير الرسمية التي تتغنى بـ”الحكامة” و”المسؤولية المشتركة”؟
ما يثير الانتباه في قضية القندوسي أيضا هو غياب التوازن في التفاعل الإعلامي الرسمي، الذي ركّز على “ضرر الفيديوهات بسمعة المحلات” و”زعزعة ثقة المستهلك”، دون أن يناقش أصل الإشكال: هل ما ورد في تلك التسجيلات صحيح أم لا؟ ومن المسؤول عن متابعته؟ أم أن معالجة الأعراض أسهل من التصدي للداء نفسه؟ إن ترك الجوهر والاشتغال على الشكل فقط يعكس عقلية تُفضّل إطفاء الحريق بدل محاسبة من أشعلوه.
هذه ليست مجرد قضية رجل اعتُقل بسبب فيديو أو تسجيل صوتي. إنها قضية تتعلق بتوازن العلاقة بين المواطن والدولة، بين الصوت الفردي ومؤسسات السلطة، بين الشفافية كقيمة، والانتقام الإداري كواقع. إذا كانت الدولة جادة في محاربة الفساد، فلتبدأ بحماية من يُبلّغ عنه لا التنكيل به. وإذا كان القضاء مستقلا فعلا، فليقف على مسافة واحدة من الجميع، لا أن يتحوّل إلى أداة لضبط الأصوات الخارجة عن السرب.
عامر القندوسي ليس حالة معزولة، بل عنوان لوضع أخطر: بلد يُكافئ الصمت ويعاقب الشجاعة. ومجتمع مدني يُستدعى فقط للتزيين لا للتدخّل. في هذا السياق، تصبح كل شعارات الحكامة والمساءلة فارغة، ما لم ترتبط بإرادة سياسية حقيقية تحترم من يرفع صوته، بدل أن تدفعه إلى الصمت… أو إلى السجن.