الرأي

الملف 1: تازة وتاريخ الدولة العلوية – حين صُنعت ملامح المغرب من الجبال

سلسلة ملفات صحفية حول قضايا تازة خطوة قوية وضرورية لتسليط الضوء على التحديات التي تواجه المدينة، وربطها بالسياق الوطني والتاريخي. هذه السلسلة تُنشر تباعًا على جريدة تازاسيتي، تحت عنوان موحد: "تازة... المدينة المنسية"

من إعداد: عمر قشمار

في زحمة التاريخ المغربي، وسط صراعات السلاطين واحتدام المعارك الحاسمة، برز اسم مدينة تازة لا كمدينة هامشية أو معبر بسيط، بل كأرض انطلقت منها اللبنات الأولى لتأسيس الدولة العلوية، التي لا تزال إلى اليوم العمود الفقري للدولة المغربية الحديثة.

عاصمة المولى الرشيد المؤقتة

تجمع العديد من المصادر التاريخية، ومنها ما وثّقه المؤرخ الراحل عبد الهادي التازي، على أن المولى الرشيد، المؤسس الفعلي للدولة العلوية، جعل من تازة قاعدة انطلاقه نحو فاس، بعد أن تمكن من السيطرة عليها ومصادرة أموال أبرز تجارها آنذاك، اليهودي هارون بن مشعل. هذا الأخير، وفق بعض الروايات، كان يخطط لإقامة حكم مستقل لليهود في المدينة، ما دفع بالمولى الرشيد إلى التدخل الحاسم، باعتبارها نقطة حاسمة في مشروعه السياسي.

وقد استقبل المولى الرشيد في تازة مبعوث الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، في لحظة دبلوماسية بالغة الرمزية، أكدت المكانة السياسية للمدينة في تلك الفترة. ومكّنت الثروات المصادرة من دعم جيشه والتفوق على خصومه، خاصة شقيقه محمد، ليواصل تقدمه نحو فاس حيث أعلن فعليًا بداية الحكم العلوي.

تازة… ركيزة في بناء الدولة المركزية

لم تكن تازة فقط محطة مرور نحو فاس، بل مثلت جبهة أمامية ومنصة استراتيجية لحسم السيطرة على المغرب. من المرتفعات الجبلية، وبتضاريسها الحصينة، كان بإمكان السلطان أن يتحكم في مداخل الشرق والوسط والشمال. ويكفي أن المدينة ظلت حامية عسكرية قوية في مختلف الفترات، مما أعطاها طابعًا دفاعيًا دائمًا.

حضور دبلوماسي مبكر

استقبال مبعوث الملك الفرنسي لم يكن مجرد تفصيل، بل شكل نقطة تحول جعلت من تازة مركزًا للقرار العلوي في مرحلة مفصلية. فقد مكّن هذا اللقاء من نسج علاقات خارجية أولية للدولة الناشئة، كما أعطى للمدينة بعدًا دبلوماسيًا لم يُستثمر لاحقًا بالقدر الكافي.

من التأسيس إلى التهميش

ورغم هذا الثقل التاريخي، فإن واقع تازة اليوم لا يعكس ماضيها المجيد. المدينة التي ساهمت في نشأة الدولة، أصبحت خارج مدار التنمية. تم تهميشها إداريًا واقتصاديًا وثقافيًا، وتحولت تدريجيا إلى نقطة عبور بين المدن الكبرى، بدل أن تحتفظ بدورها المركزي في الخريطة الوطنية.

إرث يحتاج إلى إعادة الاعتبار

يُجمع مؤرخون ومهتمون بتاريخ تازة على ضرورة إعادة الاعتبار لدورها التاريخي، عبر مشاريع ملموسة تُبرز هذا الإرث: من خلال إنشاء متحف تاريخي، توثيق التراث الدبلوماسي والعسكري للمدينة، وربط موقعها التاريخي برؤية تنموية مستقبلية.

تازة لم تكن مجرد مدينة عادية في التاريخ المغربي، بل كانت منصة التأسيس، وبوابة السيادة، وعاصمة مؤقتة لحكم استمر إلى اليوم. فهل آن الأوان لإعادة الاعتبار إليها، لا من باب المجاملة، بل من باب الإنصاف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى